كان لابد لي أن أسأل: ما هي طبيعة الفن؟ هل الفن لوحة أم منحوتة أم أنه أكثر من ذلك؟
محمد المليحي (1936-2020) فنان، ومعلم، ومُصمّم يحظى بشهرة عالمية، تجمع أعماله الفنية بين التجريدية الحديثة والزخارف الأفريقية البربرية، إلى جانب أسلوبه المميز الذي ينطوي على استخدام الألوان المشبعة والأشكال المتموجة. ولد المليحي في مدينة أصيلة الساحلية المغربية، ودرس في المغرب ثم في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة. وعاد إلى بلده الأم في عام 1964 حيث أسس مدرسة الدار البيضاء مع رفيقيه الفنانين فريد بلكاهية ومحمد شبعة، والتي شجعت الطلبة على التفاعل مع الحداثة المتأثرة بأسلوب الباوهاوس والثقافة البصرية المغربية من حولهم.
تُصوّر لوحة "عائلة مفقودة" (1960) خمسة شخوص يتوهج بهم فضاء اللوحة وخلفيتها المكونة من أشكال هندسية جذابة، تتوسطها امرأة جالسة، يمتد جسدها بطول اللوحة ليُلامس رأسها وقدماها قطبي اللوحة، يقف أمامها صبي صغير عاقد يديه خلفه وقدمه تلتصق بالأخرى بإحكام، وعلى يمينها أيضًا يقف صبي آخر أكثر طولًا، جسده فارع يمتد نحوها وكفه مبسوط وممدود، وعلى يسارها تجلس امرأة تكبرها سِنًّا تحمل طفلًا صغيرًا وقد غلّف وجههما ظلامًا شبحيًا.
قطعة مستطيلة الشكل من اليشم المنحوت تتربع فوق قاعدة رخامية بيضاء ملساء، ألوانها غنية ومزدهرة تُلاحقها أطياف من الظلال التي تتدرج من عمق اللون الأخضر والرملي إلى البني الداكن، تدور داخل الحجر في حركة دوامية وكأنها تيارات نهر. يقف الشكل عند حواف حادة الزاوية من اليسار وعلى اليمين انحناءات تصنع موجة متعرجة، بينما تخترق دوائر صغيرة قلب العمل لتوجه التركيز إلى الفضاء السلبي المحيط.
يُصوّر هذا العمل غير المُعنون الذي قدّمته الرسّامة هيلين الخال (1923-2009) في عام 1969 مساحات خضراء شكّلتها طبقات متعددة بدرجات باهتة. تفاصيل هذه اللوحة القماشية ذات الحجم المعتدل تكشف عن ضربات فرشاة ثابتة ومحسوبة تصوّر حقول ضبابية يتمدد فيها اللون الأخضر الداكن مُحتلًا أفق اللوحة وعرضها، متقدّمًا نحو المستطيل الدائري أسفل اللوحة في تلاشي يُغيّر الداكن إلى درجات لونيّة أفتح وأكثر إشراقًا، وكأنه رسم لزمرد متوهّج.
تُصوّر اللوحة مشهد لا يُفارق الذاكرة لامرأتين طويلتي القامة بحجاب رأس مُرسل تقفان جنبًا إلى جنب، إحداهما تتشبث بشمعة طويلة وتتعلق الأخرى بذراعها في نسق متوازن. على يسار اللوحة، تحمل المرأة ذات الرداء الأرجواني سلة على ذراعها وعلى كتفها طفل يتكئ بذراعيه ورأسه على رأسها وقد بدى نائمًا، وعلى يمين اللوحة تُحدّق المرأة ذات الرداء الأخضر أمامها بنظرة شاغرة وموحشة وقد أمسكت بشمعة طويلة بين راحتي يديها. تقف أمام المرأتين فتاة صغيرة لها عينان واسعتان وشعر أسود قصير، ردائها منقط يزهو باللون البرتقالي، تُحدّق هي الأخرى في الفضاء أمامها.
يُصوّر هذا العمل الفني غير المعنّون للفنانة نزيهة سليم (1927-2008) -والذي رسمته في عام 1996- مشهدًا ينبض بالحياة تجتمع فيه أربع نساء عراقيات حول طاولة، يرتدين الحجاب وملابس زاهية الألوان وعباءة مُسدلة داكنة اللون، مما يوحي بأنهن في مكان لا يتسم بالخصوصية. بطلة هذه اللوحة هي امرأة متكئة، تُرضع صغيرها، كاشفة صدرها بينما يحجب عنها غطاء رأسها نظرات النساء اللاتي يجلس خلفها على مقربة منها.
"ركبتاي تؤلماني، إنني أتقدم في السن مثل روسينانتي"