نبذة عن الفنان

كمال بُلاّطه

فنان
كمال بلاطة
مؤلف
Anna Seaman
نشرت
29 يونيو 2023

وُلد بلاطه عام 1942 في الحي المسيحي بالقدس، ودَرس الفنون الجميلة في "أكاديميا دي بيل أرتي" بروما عام 1965. عندما اندلعت الحرب في بلاده عام 1967، كان بلاطه في بيروت ولم يتمكن من العودة إلى فلسطين، فعاش بقية حياته في المنفى وانتقل من المغرب إلى الولايات المتحدة، وهناك حصل على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من مدرسة كوركوران للفنون بواشنطن العاصمة في عام 1971، ثم سافر إلى فرنسا وأخيرًا ألمانيا، التي قضى بها ما تبقى من سنوات عمره، بيد أن القدس بقيت حيّة، دائمة الحضور في قلبه. وقد قال الفنان ذات مرة: "ما زلت أذكّر نفسي بأن القدس ليست ورائي، فهي تقف أمامي باستمرار".

أعمال كمال بلاطه تقف على شطري الفجوة التي تتسع أحيانًا بين الفكر الرياضي الدقيق وعدم الدقّة المراوغة التي تتصف بها الجمالية التجريدية. منذ البداية، جَمَع بلاطه بين اهتمامه بالأيقونات الدينية، التي تعرّف عليها خلال طفولة اكتنفتها رعاية رسّام الأيقونات المعروف خالد حبيبي، والتراث الأدبي، فصنع ذلك منه رمزًا هامًا وجعله شخصية أساسية في حركة "الحروفية" خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، حيث وظّف النص العربي كشكل أسلوبي حداثي. مع ذلك، فإن خلفيته كمؤرخ، ليس فقط في الفن ولكن أيضًا في مجالات العلوم والكتاب المقدّس والأساطير، كانت مصدر إلهام لممارساته الفنيّة. وعلى هذا النحو، يجمع فنه بين حكايته الشخصية وبحوثه الأكاديمية والتاريخ والتعددية في الشرق الأوسط، ليصوغ جميع هذه العناصر في سطور السرد العالمي.

حالفني الحظ بأنني التقيت بالفنان مرات عديدة، حيث قابلته أول مرة في افتتاح معرضه الفني الفردي بعنوان "بلقيس" الذي أُقيم في "ميم غاليري" بدبي عام 2014. أسرني العمل الفني وإبداع صانعه بكل معنى الكلمة. "بلقيس" هي سلسلة فنيّة من خمس لوحات ثلاثية الأبعاد صُممّت ونُفّذت ما بين العامين 2012 و2013 أثناء إقامة الفنان في معهد الدراسات المتقدمة في برلين، المدينة التي توفي فيها عام 2019. على الرغم من كونها أعمالا تجريدية، رُسمت اللوحات بدقة فائقة على أوتار سرد مفاهيمي رائع، عناصرها وحدات من التدرجات اللونيّة المُنسّقة بزوايا تتناسب مع متتالية فيبوناتشي. تطوف هذه المقاطع وتجتاز فضاء اللوحة القماشية كأنها نوتة موسيقية تملي على الملأ سمفونية مكتملة، تنادي المشاهد، تحثه على تتبعها بعينيه. أخبرني بلاطه أن الأبعاد تُحاكي الزخارف التي تُزيّن أسقف قبة الصخرة في البلدة القديمة في القدس، حيث أمضى ساعات عديدة من طفولته متأملًا، مفتونًا بجماليات العمارة والزخارف الهندسيّة وفن الخط، إلا أن ما ألهم هذه السلسلة وعنوانها هو قصة بلقيس، ملكة سبأ التي ساد الاعتقاد بأنها كانت تقع جنوب شبه الجزيرة العربية في اليمن. كانت ملكة سبأ امرأة ثرية وقوية لفتت انتباه الملك سليمان الذي دعاها إلى مملكته. بعد تردد طويل، قبلت الملكة الوثنية الدعوة، ولما كان قصر سليمان قد بُني من البلور وأرضيته رُصفت بألواح من الزجاج الشفاف، قيل إن بلقيس عند دخولها القصر ظنت الزجاج ماءًا، فرفعت أطراف ردائها لتجنب البلل. وعندما أشار سليمان إلى خطئها، اندهشت من انخداع عينيها بالمشهد، وأعلنت اعتناقها عقيدة سليمان التوحيدية وأحبته. ومع ذلك، ما يسرده الفنان من خلال لوحاته لم تكن قصة الحب هذه، بل أسرار الإدراك البشري. رأت بلقيس ماء حيث يوجد زجاج، وكان ذلك كافياً لزعزعة روحها لدرجة الخضوع لقوة أعلى.

لطالما ارتكزت ممارسات بلاطه الفنية على إيمانه، وكثيرًا ما استخدم الفنان شاشات الحرير في أعماله، وركّز على هندسة الخط العربي وعمل تكوينات بالخط الكوفي. كما كان المربع عنصرًا متكررًا في أعماله وقد تناولت كتاباته الغزيرة استخدامه لهذا الشكل كموتيفة، حيث كتب في مقال له بعنوان "قياس القدس واستكشاف المُربّع" (1999): "تتصاعد فرحة داخلية عندما تبدأ الخصائص المتقدّمة والمنحصرة للأشكال الهندسية المُلونة في التصرف مثل مقطوعة موسيقية في حالة مد وجزر متخذة هيئة جسد مرئي، صوت دقات الفرشاة تضرب على القماش الممدود مثل طبلة مكتومة يعكس شكل الفضاء الهندسي". لا عجب في أن الفنان يصل إلى أعلى مدارك البلاغة عندما يتحدث عن أعماله الفنية، فحركات المد والجزر التي يذكرها هنا فيما يتعلق بالخطوط الصلبة للأشكال الهندسية هي ما يُميّز تعبيراته البصرية، ولها دلالة مؤثرة في لوحاته. في المقال ذاته، كتب بلاطه: "الرسم ينبثق مع عملية الرسم بقدر ما تنطلق الكتابة من القراءة" ، موضحًا أنه في بعض الأحيان كانت نتائج معالجاته الفنية تفاجئه شخصيًا.

لوحة الفنان بلاطه المُدرجة في مجموعة مقتنيات دبي بعنوان "Illumination II" (2001) هي جزء من سلسلة تُسمى "Mare Nostrum" (بحرنا)، مستوحاة من البحر الأبيض المتوسط. تتشابه اللوحة وسلسلة "بلقيس" في الأسلوب والمفهوم، حيث نجح الفنان في بناء عمق ربما لم يكن ممكناً لولا تفانيه للصيغة الرياضية التي بنى عليها أساسه. متتالية فيبوناتشي هي خوارزمية التناظر التي تكمن وراء منظرونا عن الجاذبية، بمعنى أن الأشياء بهذه النسب تجذب أعيننا حيث نجدها سائغة بصريًا، وما يأمله بلاطه هو أن ينجذب المشاهد إلى عمله الفني لدرجة تُمكنه من تجاوز السطح، "اختراق سطح اللوحة والغوص كما في حوض السباحة أو المرآة" .

إذًا ماذا يكمن تحت هذا السطح؟ الإجابة عن هذا السؤال هي إجابة مفتوحة ومُطلقة بالكامل، بما يحفظ الغموض الذي يسمح للعمل الفني بالاستمرار في التواصل مع المشاهد عبر اختلاف الزمان والمكان والموقع الجغرافي. أعتقد أن الجاذبية الساحرة التي تختص بها أعمال بلاطه تنبع من حبه المستمر للمدينة التي سُلبت منه، القدس، قلب الأرض المُقدّسة، المكان الذي ولدت فيه الروحانية، والتي كانت دائمًا حيّة في قلبه. وبالتالي، كانت هذه المدينة يكتنفها الغموض دائمًا بالنسبة له، غموض امتد حضوره إلى فنه، جزئيًا بسبب منفاه الأبدي عنها، لكن ربما أيضًا بسبب تشابك خيوط الذاكرة الجماعية مع ألياف الأرض.

في "قياس القدس واستكشاف المُربّع"، يقتبس بلاطه من قول ألبير كامو: "أنا أعلم على وجه اليقين أن عمل الرجل ليس سوى رحلة طويلة للتعافي من خلال منعطفات الفن، الصورتان أو الثلاث البسيطة والرائعة الأولى التي تمكنت من لمس قلبه" . في سعيه للكشف عن مفتاح قلبه، منحنا بلاطه الوصول إلى مفتاح قلوبنا، ولهذا، يجب أن يكون العالم ممتنًا له إلى الأبد.

● القصة التالية

رسم اللاشيء: مقدّمة في الفن التجريدي في الشرق الأوسط.

ستخبرك كتب تاريخ الفن الغربي التقليدي أنه في حوالي عام 1910 "اخترع" الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي الفن التجريدي، هذا التصوير الفني الذي ينأى بنفسه عن التمثيل، مع التركيز بدلاً من ذلك على عناصر الشكل واللون والخط والدرجة والقوام. وكما هو الحال مع الكثير من شرائع ومعايير تاريخ الفن، بدأت خيوط هذه الرواية تنحل رُويدًا وتكشفت فصول عن جوانب أقل شهرة من تاريخ التجريدية، مثل الإسهامات التي قُدّمت من قبل عدد من الفنانات – فعلى سبيل المثال، رسمت الفنانة السويدية هيلما أف كلينت أولى أعمالها التجريدية في عام 1906 – إلى جانب التطورات الفنية التي حدثت في أماكن أخرى من العالم بعيدًا عن الغرب.